شرف المؤمن وعزّه                صعود الكلم الطيب                من مكارم الأخلاق                عبادة الهوى                برّ الوالدين من أكرم الطباع                الطيّبات والرزق الحقيقي                ثلاثية السّعادة               من قواصم الظهر                دور المال في فساد الإنسان (1)               أهل البيت والقرآن الكريم               
  الرئيسية
  من نحن ؟
  من خدماتنا
  مواقع مهمة
  كشوف مالية بمساعداتنا
  المكتبة
  أنشطتنا
  المساهمات الخيرية
  الركن الاجتماعي
  أسئلة وأجوبة
  معرض الصور
  بحوث ومقالات
  اتصل بنا
 
عدد الزوار
277850
بحوث ومقالات > بحوث ومقالات عامة
 
 
من عاشوراء إلى الأربعين: قراءة في العلاقة بين الشّهادة والذّكرى
مكتب الشؤون الفقهية بأوقاف اللواتية - 2026/07/31 - [المشاهدات : 169]
 

 من عاشوراء إلى الأربعين

قراءة في العلاقة بين الشّهادة والذّكرى

بقلم: حسن عبد الله العجمي

في تاريخ الأمم مواقفُ عظيمةٌ لا تكتفي بأن تُدوَّن في كتب المؤرّخين، بل تتحوّل إلى نبضٍ حيٍّ يسري في وجدان الأجيال، ويصوغ ضمائرها جيلًا بعد جيل، ومن أعمق هذه المواقف في تاريخنا الإسلاميّ ما جرى في العاشر من محرّم سنة إحدى وستّين للهجرة على أرض كربلاء، يوم ارتقى الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه إلى مقام الشّهادة، فكتبوا بدمائهم صفحةً لا تبلى مع مرّ القرون.

لكنّ الحدث مهما بلغ من العظمة، يبقى محتاجًا إلى ما يحفظه من النّسيان، وإلى ما يُبقي جذوته مشتعلةً في وعي الأمّة، وهنا تبرز الأربعينيّةُ بوصفها المؤسّسة الوجدانيّة التي تولّت هذه المهمّة، فأقامت بين الحدث والذّاكرة جسرًا متينًا، وبين الدّم والقلم صلةً لا تنقطع، ومن هنا يمكن القول إنّ العلاقة بين عاشوراء والأربعين ليست علاقةً زمنيّةً فحسب يفصل بينها أربعون يومًا، بل هي علاقةٌ عميقةٌ يُكمل فيها كلّ طرفٍ الآخر، ويستمدّ منه معناه.

أوّلًا: عاشوراء بوصفها لحظة التأسيس والأربعينيّة بوصفها لحظة الحفظ والاستمرار

لكي نفهم الأربعينيّة على حقيقتها، لا بدّ أنْ نبدأ من عاشوراء بوصفها الحدث الذي انبثقت منه سائر التجلّيات اللاحقة، فما جرى في كربلاء لم يكن مجرّد معركةٍ بين طرفين متنازعين على السّلطة، ولم يكن مجرّد مأساةٍ عائليّةٍ حلّت ببيت النبوّة، بل كان في جوهره فعلًا حضاريًّا كبيرًا أعاد رسم العلاقة بين الحقّ والقوّة، وبين الضمير والسّلطان.

لقد قدّم الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء نموذجًا فريدًا في التاريخ الإنسانيّ؛ نموذج الإنسان الذي يختار الموت الشّريف على الحياة الذّليلة، ويُفضّل شهادة الحقّ على مسايرة الباطل، ويُقدّم دمه ثمنًا لبقاء المبدأ، وقد لخّص هو نفسه عليه السلام فلسفة خروجه بقوله المشهور: "إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي، أريد أنْ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر". فكان خروجه فعلًا إصلاحيًّا وضميريًّا وتربويًّا، لا مجرّد ردّة فعلٍ سياسيّة.

ومن هنا اكتسبت شهادته صفة التأسيس؛ إذ لم تنته عند سقوط جسده الشّريف على رمال الطفّ، بل امتدّت لتصبح مرجعيّةً أخلاقيّةً تحتكم إليها الأجيال في مواقفها من الظّلم والعدل، ومن الحرّية والاستعباد. فعاشوراء إذًا هي حجر الأساس الذي بُني عليه كلّ ما جاء بعده، وهي البذرة التي أنبتت شجرة الوعي الحسينيّ على مرّ العصور.

وإذا كانت عاشوراء لحظة التأسيس، فإنّ الأربعينيّة هي لحظة الحفظ والامتداد، وهذه ثنائيّةٌ عميقةٌ تستحقّ التأمّل؛ فالأربعينيّة لا تكتفي بأنْ تحفظ الحدث من الاندثار، بل تُنتج في كلّ عامٍ معاني جديدة، وتفتح أمام الأمّة أفقًا جديدًا في قراءة عاشوراء وفهمها.

ثانيًا: من الدم إلى الكلمة، ومن السيف إلى المنبر

بعد أنْ أوضحنا كيف بدأت نهضة عاشوراء وكيف حافظت عليها زيارة الأربعين، ننتقل إلى جانب آخر يربط بينهما؛ ويتجسّد ذلك في التحوّل الكبير الذي أحدثته الأربعينيّة، حيث نقلت القضيّة من مواجهة دمويّة بالسّيوف إلى معركة بالكلمة وحفظ الذّاكرة.

فعندما نال الإمام الحسين عليه السّلام الشّهادة، لم تنته الرّسالة بل انتقلت مسؤوليّتها إلى أخته السيدة زينب عليها السلام، وهكذا تحوّل الدّفاع عن الحقّ من قوّة السّيف إلى بلاغة اللسان وفصاحته، ومن ساحة القتال العسكريّة إلى منابر التوعية والتبليغ.

ولا يمكن فهم عمق الأربعينيّة من دون استحضار خطبتي زينب عليها السلام في الكوفة والشام، وخطبة الإمام السجّاد عليه السلام في مجلس يزيد، فهذه الخطب لم تكن مجرّد ردّاتٍ عاطفيّةٍ على المصاب، بل كانت الاستكمال الطبيعيّ لمشروع عاشوراء، والامتداد الحقيقيّ لثورة الإمام الحسين عليه السّلام، فلقد فهمت زينب عليها السلام بوعيها العميق أنّ الدم مهما كان طاهرًا، يحتاج إلى صوتٍ يحمله، وأنّ الشّهادة مهما كانت عظيمة، تحتاج إلى ذاكرةٍ تحرسها، فكانت خطبها أوّل مشروعٍ لإحياء ذكرى الإمام الحسين عليه السلام قبل أن تُقام الأربعينيّة بمفهومها المعروف.

ومن هنا نفهم لماذا ورد في الأثر أنّ زيارة الأربعين من علامات المؤمن، فعن الإمام العسكري عليه السلام: " علامات المؤمن خمس: صلاة الخمسين، وزيارة الأربعين، والتختّم في اليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم"، فزيارة الأربعين ليست شعيرةً فرديّةً محضة، بل هي إعلانُ انتماءٍ إلى مشروع الإمام الحسين عليه السلام، والتزامٌ بمواصلة ما بدأه على أرض الطفّ.

ثالثًا: بين الحزن الوجداني والوعي العقليّ

وبعد أنْ انتقلت الرّسالة من الدم إلى الكلمة، برزت في مسيرة الأربعين معادلةٌ دقيقةٌ تجمع بين الحزن الوجدانيّ والوعي العقليّ، فعاشوراء بطبيعتها مناسبة حزنٍ عميق؛ حزنٍ على استشهاد سيّد شباب أهل الجنّة، وحزنٍ على استباحة حرم النبوّة، وحزنٍ على انتكاسة الأمّة التي رضيت بالجريمة أو سكتت عنها، وهذا الحزن حالةٌ عاطفيّةٌ صادقة، تعبّر عن سلامة الفطرة، وعن حياة الضّمير.

غير أنّ الحزن وحده، إذا لم يقترن بالوعي، قد يتحوّل إلى طقسٍ عاطفيٍّ عابر، لا يُثمر تغييرًا في السّلوك ولا في المواقف، وهنا يأتي دور الأربعينيّة لتضبط هذه المعادلة الدّقيقة، فتُبقي على الحزن بوصفه وقودًا وجدانيًّا، لكنّها تُضيف إليه الوعي بوصفه بوصلةً عقليّة، فالماشي إلى كربلاء في الأربعين يبكي على الإمام الحسين عليه السلام، لكنّه في الوقت نفسه يتأمّل في أسباب الفاجعة، ويتفكّر في الدّروس المستفادة، ويستشرف كيف يطبّقها في واقعه؛ لأنّ ثقافة الإمام الحسين عليه السلام لا يمكن أن تُختزل في البكاء، وإنْ كان البكاء جزءًا منها، فالأربعينيّة هي المختبر الذي تُختبر فيه هذه الثقافة، وتُترجم من مقولاتٍ نظريّةٍ إلى ممارساتٍ حيّة تنعكس على السلوك اليوميّ.

رابعًا: من الفرديّة إلى الجماعيّة

ومن الحزن المقترن بالوعي، تنقلنا الأربعينيّة إلى تجلٍّ آخر يتمثّل في تحوّل الفعل الفرديّ إلى فعلٍ جماعيّ، فعاشوراء في مظهرها الخارجيّ فعلٌ فرديٌّ، قام به الحسين عليه السلام وأصحابه القلائل الذين لم يتجاوز عددهم ثلاثًا وسبعين شخصًا، لقد وقفوا وحدهم في وجه جيشٍ جرّار، واختاروا الشّهادة اختيارًا واعيًا وهم يعلمون أنّهم لن يجدوا ناصرًا في تلك اللحظة الحاسمة.

أمّا الأربعينيّة فهي فعلٌ جماعيٌّ بامتياز، تتّحد فيه الملايين في مسيرةٍ واحدة، وتذوب فيه الفوارق الفرديّة في بوتقة الانتماء الواحد إلى مشروع الإمام الحسين عليه السلام، وهذه المفارقة الظاهريّة بين فرديّة عاشوراء وجماعيّة الأربعين تكشف عن حقيقةٍ عميقة: أنّ الفعل الفرديّ الصّادق قادرٌ على أنْ يُنتج فعلًا جماعيًّا متواصلًا، وأنّ الشّجاعة الفرديّة التي أظهرها الإمام الحسين وأصحابه هي التي فتحت الباب أمام ملايين المؤمنين ليعبّروا عن انتمائهم إليه على مدى القرون.

وهنا ندرك أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يكن يبحث في كربلاء عن نصرة الأحياء آنذاك، بل كان يزرع بذرةً في أعماق التّاريخ ستُثمر أجيالًا وأجيالًا، وأنّ سؤاله الشّهير "هل من ناصرٍ ينصرني" لم يكن موجّهًا إلى أهل الكوفة وحدهم، بل كان نداءً عابرًا للقرون، تُجيب عنه كلّ قدمٍ تسير في مسيرة الأربعين، وكلّ قلبٍ يخفق بحبّه في أيّ بقعةٍ من بقاع الأرض.

من المحلّية إلى العالميّة

وحين تتّسع الجماعة، تتّسع معها الرّقعة الجغرافيّة، فتنتقل عاشوراء من كونها حدثًا محلّيًّا وقع في بقعةٍ محدودةٍ من العراق، إلى ظاهرةٍ عالميّةٍ عابرةٍ للحدود والأعراق واللغات، وذلك بفضل ما تُنتجه الأربعينيّة في كلّ عامٍ من زخمٍ روحيٍّ يشدّ إليه القلوب من مشارق الأرض ومغاربها.

فالمسيرة التي تنطلق من النّجف إلى كربلاء لم تعد شأنًا عراقيًّا خاصًّا، بل صارت ملتقى الأمم والشّعوب، حيث يلتقي فيها المسلم بغير المسلم، والعربيّ بالعجميّ، والشرقيّ بالغربيّ، على قاعدة الحبّ المشترك للإمام عليه السلام وما يمثّله من قيمٍ إنسانيّةٍ عليا، وقد نُقل عن كثيرٍ من المفكّرين غير المسلمين اعترافهم بعظمة الحسين وأثره في وجدان الإنسانيّة، كما هو معروف عن غاندي وأنطوان بارا وغيرهما ممّن رأوا في ثورة الطفّ نموذجًا كونيًّا في مقاومة الظلم.

وهذا التحوّل من المحلّية إلى العالميّة لم يكن ممكنًا لولا الأربعينيّة، فهي الحاضنة التي تحفظ الحدث من التآكل، وتُعيد إنتاجه في كلّ عامٍ بصيغةٍ تتلاءم مع مستجدّات العصر ومتطلّباته، وهكذا يظلّ الإمام الحسين عليه السلام حيًّا في وجدان الأحرار، وتظلّ رسالته حاضرةً في ضمير الإنسانيّة، لأنّ الأربعينيّة تتكفّل بتجديد هذا الحضور جيلًا بعد جيل.

سادسًا: نحو فهم متكامل للعلاقة

بناءً على ما تقدّم يمكن القول إنّ العلاقة بين عاشوراء والأربعين تتجاوز التّصنيفات البسيطة التي قد تختزلها في مجرّد سببٍ ونتيجة، أو حدثٍ وذكرى. إنّها علاقةٌ عضويّةٌ متكاملة، يُتمّم فيها كلّ طرفٍ الآخر، وتنتج عنها منظومةٌ حضاريّةٌ وأخلاقيّةٌ متكاملة.

فعاشوراء من دون الأربعينيّة تظلّ حدثًا عظيمًا لكنّه معرّضٌ للنسيان، والأربعينيّة من دون عاشوراء تُصبح طقسًا فارغًا بلا روح، أمّا حين تجتمعان في هذه العلاقة العميقة، فإنّهما تُنتجان مشروعًا حضاريًّا متكاملًا، يجمع بين المبدأ والتطبيق، وبين النظريّة والممارسة، وبين اللحظة التأسيسيّة والامتداد التاريخيّ.

وهذه هي عبقريّة المنظومة الحسينيّة التي أرسى قواعدها الأئمة من أهل البيت عليهم السلام؛ إذ لم يكتفوا بأنْ يوصوا شيعتهم بتذكّر مصاب الإمام الحسين عليه السلام، بل حرصوا على أنْ يُؤسّسوا لهذا التذكّر مؤسّسةً زمانيّةً ومكانيّةً وطقسيّةً متكاملة، تتمثّل في زيارة الأربعين، فحفظوا بذلك مشروع كربلاء من عوامل التآكل التي تعرّضت لها كثيرٌ من المشاريع الإصلاحيّة عبر التاريخ.

حين تُصبح الذكرى فعلًا حيًّا

في ختام هذه القراءة، يمكن القول إنّ ما يجمع بين عاشوراء والأربعين ليس مجرّد رابطةٍ زمنيّةٍ أو طقسيّة، بل هو رابطةٌ وجوديّةٌ عميقة، تكشف عن فلسفةٍ متكاملةٍ في التّعامل مع الحدث التاريخيّ. فالإمام الحسين عليه السلام لم يستشهد ليُبكى عليه فحسب، بل استُشهد ليُقتدى به؛ والأربعينيّة لم تُشرّع لتكون طقسًا حزينًا منقطعًا، بل شُرّعت لتكون منهجًا في الحياة، ومدرسةً في السّلوك، وبوصلةً في المواقف.

ومن استوعب هذه العلاقة، أدرك أنّ الانتماء الحسينيّ ليس مجرّد بكاءٍ في العاشر من محرّم، ولا مجرّد مشيٍ في العشرين من صفر، بل هو مشروعُ حياةٍ متكامل، يبدأ من عاشوراء بوصفها لحظة التأسيس، ويتجدّد في الأربعينيّة بوصفها لحظة الاستمرار، ويمتدّ في تفاصيل الحياة اليوميّة بوصفها ميدان التطبيق، وحين تجتمع هذه العناصر الثلاثة في وجدان المؤمن، يتحقّق فيه معنى القول: "كلّ يومٍ عاشوراء، وكلّ أرضٍ كربلاء".

فالإمام الحسين عليه السلام لم يعُد شخصيّةً تاريخيّةً محصورةً في زمانٍ ومكان، بل صار حقيقةً متجدّدةً في وجدان الأحرار، تُلهمهم في كلّ موقفٍ يواجهون فيه ظلمًا، وتُرشدهم في كلّ لحظةٍ يختارون فيها بين الحقّ والباطل. وتلك هي المعجزة الكبرى التي أنجزتها العلاقة بين عاشوراء والأربعين: أنّها حوّلت حدثًا وقع قبل أكثر من ثلاثة عشر قرنًا إلى حاضرٍ حيٍّ ينبض في قلوب الملايين، ويصنع في كلّ عامٍ تاريخًا جديدًا، وذاكرةً جديدة، ووعيَا جديدًا.

 

 
 
أضف تعليقاً
الاسم
البريد الإلكتروني
التعليق
من
أرقام التأكيد Security Image
 
 
 
محرك البحث
 
القائمة البريدية
 
آخر المواقع المضافة
موقع مكتب آية الله العظمى السيد الشبيري الزنجاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي الشّاهرودي
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي دام ظله
موقع سماحة آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم دام ظله
 
آخر الصور المضافة
 
آخر الصوتيات المضافة
الإمام المجتبى عليه السلام بين حكم التاريخ وحاكميته
ضوابط قرآنية في حل المشكلات
الإمام الصادق عليه السلام ومحاربة الإنحراف
من ثمار التقوى
وقفات مع علم النفس القرآني
 
آخر الكتب المضافة
العبادة والعبودية
آية التطهير فوق الشبهات
إرشاد الحائر إلى صحة حديث الطائر
حديث الغدير فوق الشبهات
رسالة مختصرة في الفطرة والمشكلة الإنسانية
 
آخر الأسئلة المضافة
س:

  هل یجوز للرجل الزاني الزواج بابنة المراة التي زنا بها؟

ج:

  یجوز والاحوط استحباباً تركه.